مقالات

انتصارًا للحرية ام كارثة تهدد المجتمع

بقلم: رضا شلبي العزالي

المشكلة ليست في الحكم، بل فيمن حوله إلى «تريند». هناك من اقتطع العنوان وترك الحيثيات، صرخ بـ«إباحة المخدرات»، ثم أغلق الميكروفون قبل أن يشرح الفرق بين سلطة القضاء وسلطة التشريع. بعض الشاشات لا تبحث عن الحقيقة، بل عن رعشة المشاهد. تبيع الخوف بالتقسيط، وتسوق الالتباس كأنه سبق صحفي؛ فالإعلام حين يتخلى عن مسؤوليته يتحول من ناقل خبر إلى مصنع ذعر، والأخطر أن الناس تصدق العنوان أكثر مما تقرأ الحكم.
في لحظة قانونية فارقة، أعاد حكم المحكمة الدستورية العليا خلط الأوراق، وأشعل الشارع المصري بسؤال واحد:
هل انتهى تجريم «الشابو والأيس» أم أن الأمر مجرد التباس قانوني تضخم عبر مواقع التواصل؟
المحكمة الدستورية لا تبرئ متهمين بأسمائهم، ولكن تفصل في دستورية نصوص قانونية، وإذا قضت بعدم دستورية مادة بعينها فإن الأثر يمتد إلى القضايا التي بُنيت عليها، لكنه لا يعني بالضرورة إباحة المخدر أو سقوط التجريم بالكامل. الفارق هنا دقيق… لكنه جوهري.
الترجمة في الشارع كانت سريعة ومختصرة: «الشابو بقى حلال»، لكن في القانون لا شيء يُختصر بهذه السهولة. فـ«الميثامفيتامين»، المعروف شعبيًا بـ«الشابو» أو «الأيس»، ما زال مدرجًا ضمن جداول المواد المخدرة ما لم يصدر تعديل تشريعي واضح يغير هذا الوضع.
الارتباك لم يأتِ من الحكم فقط، بل من طريقة تداوله؛ فمواقع التواصل تعاملت معه كأنه قرار سياسي أو اجتماعي، بينما هو في جوهره مسألة دستورية تقنية قد تتعلق بصياغة نص أو آلية ضبط أو توصيف قانوني. الحكم كشف فجوة واضحة بين الوعي القانوني لدى المواطنين وسرعة تداول المعلومات غير الدقيقة.
وأصبحت التأويلات؛ فهناك من رأى فيه «انتصارًا للحرية»، وآخرون رأوه «كارثة تهدد المجتمع»، لكن الحقيقة غالبًا تقع في المنطقة الرمادية بين النص والتأويل.
فالقضية ليست فقط في مصير قضايا بعينها، بل في كيفية تعامل المجتمع مع ملف المخدرات… وهل يظل الملف أمنيًا بحتًا؟ أم يحتاج إلى مقاربة تشمل العلاج والتوعية والتشريع المتوازن؟
حكم الدستورية أعاد فتح هذا النقاش من جديد، وما حدث ليس «إباحة ولا انهيارًا تشريعيًا»، بل محطة قانونية قد تعيد ترتيب الصياغة. فالضجيج الذي صاحبها يكشف أن الشارع أسرع في الحكم من المحكمة نفسها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى