مقالات

عندما يتحول التعيين إلى أكبر أزمات المهنة!

بقلم:  أحمد أبراهيم

لم تعد أزمة الصحافة في مصر تقتصر على تراجع توزيع الصحف أو المنافسة الشرسة مع المنصات الرقمية، بل باتت هناك أزمة أكثر خطورة تهدد مستقبل المهنة نفسها، وهي أزمة التعيين. فخلال السنوات الأخيرة، تحول الالتحاق بالمؤسسات الصحفية إلى رحلة طويلة من الانتظار، قد تمتد لعشر سنوات أو أكثر، دون ضمان الحصول على وظيفة مستقرة أو تأمين اجتماعي أو مستقبل مهني واضح.

 

هذه الأزمة لم تؤثر فقط على العاملين داخل المؤسسات، بل انعكست بصورة مباشرة على تركيبة أعضاء نقابة الصحفيين، وأحدثت خللًا واضحًا في الفئات العمرية المنضمة إليها.

 

وأي قراءة بسيطة لتوزيع الأعمار بين الأعضاء الجدد خلال السنوات الأخيرة تكشف مفارقة تستحق التوقف أمامها؛ فالفئة العمرية من 20 إلى 30 عامًا، وهي التي يفترض أن تمثل الدماء الجديدة للمهنة، أصبحت الأقل حضورًا. في المقابل، تبرز الفئة من 30 إلى 40 عامًا باعتبارها الأكثر انضمامًا للنقابة، بينما تظهر نسبة ليست قليلة لأشخاص تجاوزوا الخمسين عامًا قبل أن يحصلوا على عضوية النقابة.

 

هذه الأرقام لا تعكس مجرد اختلاف في الأعمار، بل تحكي قصة نظام تعيين أصبح بطيئًا إلى درجة يفقد معها الشباب حماسهم للمهنة. فالخريج الذي يبدأ العمل في أوائل العشرينيات قد يظل سنوات طويلة يعمل دون تعيين، ومع مرور الوقت يضطر كثيرون إلى ترك الصحافة والبحث عن وظائف توفر دخلًا واستقرارًا، بينما يواصل آخرون الانتظار حتى يقتربوا من الأربعين، أو حتى يتجاوزوا الخمسين، قبل أن يحصلوا على حقهم الطبيعي في التعيين والقيد بالنقابة.

 

والنتيجة أن المهنة أصبحت طاردة للكفاءات الشابة. فكيف يمكن إقناع طالب متفوق في كلية الإعلام أو الصحافة بأن يختار هذه المهنة، وهو يرى من سبقوه ينتظرون سنوات طويلة دون استقرار؟ وكيف يمكن لمؤسسة صحفية أن تجدد دماءها إذا كانت لا تستقبل شبابًا في بداية الطريق، وإنما تلحق بهم بعد أن استهلكت سنوات الانتظار جزءًا كبيرًا من طاقاتهم؟

 

الصحافة بطبيعتها مهنة تعتمد على الحماس، والقدرة على مواكبة التطورات، والتفاعل مع أدوات الإعلام الحديثة. وعندما تغيب الأجيال الصغيرة، تفقد المؤسسات جزءًا من قدرتها على التجديد والابتكار، ويصبح الفارق بينها وبين المنصات الرقمية أكثر اتساعًا.

 

إن إصلاح أزمة الصحافة لن يتحقق فقط بتطوير المحتوى أو تحديث التكنولوجيا، بل يبدأ من إصلاح منظومة التعيين، ووضع مسارات واضحة وعادلة تضمن انتقال الصحفي من مرحلة التدريب إلى التعيين خلال فترة زمنية معقولة، تحفظ له كرامته المهنية وحقوقه الاجتماعية.

 

فإذا استمرت الأوضاع كما هي، فلن تكون المشكلة في نقص الصحفيين فقط، بل في عزوف جيل كامل عن دخول المهنة من الأساس. وعندها لن نخسر أفرادًا، بل سنخسر مستقبل الصحافة، لأن أي مهنة لا تجذب شبابها، محكوم عليها بالشيخوخة مهما امتلكت من تاريخ أو مكانة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى