ثقافة وفنونعرب وعالم

مكتبة الإسكندرية تحتفي بالمعرفة المترجمة: أعمال الحارثي نموذجًا لقراءة جديدة لتاريخ عُمان والمشرق العربي

 

كتبت: إيمان عابدين
نظّمت مكتبة الإسكندرية، بالتعاون مع المنظمة العربية للترجمة، ندوة علمية رفيعة المستوى تحت عنوان: «المعرفة البريطانية في تاريخ عُمان والمشرق العربي: الأعمال المترجمة للشيخ محمد بن عبدالله بن حمد الحارثي أنموذجًا».
جاء ذلك بحضور الأستاذ الدكتور أحمد زايد، مدير مكتبة الإسكندرية، والدكتور بسام بركة، رئيس المنظمة العربية للترجمة، والشيخ محمد بن عبدالله بن حمد الحارثي، والدكتور محمد بن سالم الحارثي، وبمشاركة واسعة من الباحثين والأكاديميين والدبلوماسيين العرب المتخصصين في قضايا التاريخ والترجمة والتوثيق.
وأكد الأستاذ الدكتور أحمد زايد، مدير مكتبة الإسكندرية، في كلمته الافتتاحية، أن هذا العمل يمثل إنجازًا ضخمًا يضاهي، في قيمته المعرفية وكيفيته العلمية، ترجمات العصر العباسي الكبرى وحركة الترجمة الحديثة، مشيرًا إلى أن الندوة تؤكد دور مكتبة الإسكندرية كمركز إشعاع ثقافي يدعم البحث العلمي، ويعزز الوعي بأهمية الموسوعات كمصادر معرفية تسهم في إعادة قراءة التاريخ العربي برؤية علمية حديثة ومنهجية رصينة تخدم الأجيال القادمة.
وشدّد الدكتور زايد على أن الترجمة، في جوهرها، هي أكثر من مجرد نقلٍ للألفاظ من لغة إلى أخرى، بل هي عملية مثاقفة معقدة تضرب بجذورها في أعماق التاريخ البشري؛ حيث لا تُنقل الكلمات فحسب، بل تُنقل الأفكار والمعتقدات والعلوم، مما يجعل المترجم، في الدراسات الحديثة، فاعلًا اجتماعيًا ووسيطًا حضاريًا ومفاوضًا ثقافيًا قادرًا على صياغة الإطار التاريخي وتشكيل البنية المعرفية، ومنح الأفكار عمرًا أطول من لغتها الأصلية.
وأوضح زايد أن هذا المنجز يجسد صفات المكث والاستمرارية والمثابرة في البحث العلمي، والعيش مع النصوص ومصاحبتها لسنوات طويلة لدرجة التوحد معها، وهي العلاقة التي تفتح آفاقًا جديدة لفهم التحولات التاريخية، وتجعل من العمل نموذجًا فريدًا في تاريخ العرب الحديث. وأعرب عن سعادته الشخصية بالتعرف على الشيخ الحارثي وعلى هذا المشروع الذي تفتح له المكتبة ذراعيها دائمًا كصرح علمي وفني وثقافي يحتفي بكل المبدعين والمفكرين الذين يسطرون بجهودهم حروفًا من نور في مسارات الحياة المختلفة.
وتناول مدير مكتبة الإسكندرية الخصوصية التاريخية والجغرافية الفريدة لسلطنة عُمان، بوصفها حلقة وصل بين الشرق والغرب، وإرثها البحري الممتد من سواحل أفريقيا إلى الهند، الذي جعل من الترجمة والتبادل اللغوي ضرورة حيوية وجزءًا أصيلًا من نسيجها المجتمعي، مشيرًا إلى أن الوجود العُماني في شرق أفريقيا مثّل حالة فريدة من الترجمة الحية التي امتزجت فيها العربية بالسواحيلية، وهو ما يضم الجهد الذي بذله الشيخ الحارثي كعمود رابع في الجهد المؤسسي العُماني الكبير لنشر قيم التسامح والمعرفة.
من جانبه، أوضح الدكتور بسام بركة، رئيس المنظمة العربية للترجمة، أن الندوة تحتفي بالفعل والعمل، مبينًا أن «الفعل» هو الترجمة كأداة لنقل المعرفة والحث على التفكير، و«العمل» هو هذا الإنتاج الضخم الذي أُنجز بجهود جبارة من الشيخ الحارثي، الذي سجل التاريخ عظيم أفعاله، حيث نجحت المنظمة، بريادته، في نقل الترجمة من طور الهواية إلى منزلة الصناعة الرصينة التي تتبع معايير دقيقة في البحث والتبويب والمراجعة المقارنة بالأصل.
وأكد بركة أن الهدف الأسمى للمنظمة هو تمكين الباحثين والمفكرين من تدبر النصوص بلغتهم الأم، مقتفين أثر كبار الفلاسفة العرب مثل ابن رشد والفارابي وابن سينا، الذين لم يكتفوا بالترجمة، بل شرحوا النصوص ووسعوها وأنتجوا فكرًا جديدًا. كما أشار إلى دور الشيخ الحارثي في رئاسة اتحاد المترجمين العرب، وإسهاماته المؤسسية في إصدار مئات الكتب المترجمة، وتنظيم المؤتمرات الدولية التي تخدم قضايا الترجمة والمترجمين في الوطن العربي.
وشهدت الندوة، عقب الجلسة الافتتاحية، جلسات علمية مكثفة؛ حيث ركزت الجلسة الأولى على «موسوعات عُمان والساحل»، برئاسة الدكتور فهد المنذري، وبمشاركة الدكتور محمد بن سعيد الحجري، والأستاذ الدكتور عصام السعيد، والدكتور علي بن حسن اللواتي، والأستاذ عماد بن جاسم البحراني، والدكتور محمد العريمي، والدكتور محمود صادق، والدكتورة مريم البريطانية، والأستاذ محمد عبد الزغير؛ حيث ناقشوا الوثائق السرية، ويوميات المقيم السياسي، والحدود، وملفات النفط، والجزر العربية.
وتناولت الجلسة الثانية «موسوعات جذور الدولة العربية الحديثة»، برئاسة الدكتور بسام بركة، وبمشاركة الأستاذ الدكتور أسمهان الجرو، والدكتور إبراهيم بن يحيى البوسعيدي، والأستاذ الدكتور محمد سالم الطراونة؛ حيث استعرضوا التطورات السياسية التي شكلت ملامح المنطقة في ظل صراع القوى العظمى واتفاقات الحلفاء بعد انهيار الدولة العثمانية. بينما خُصصت الجلسة الثالثة لاستعراض مجموعة الكتب المترجمة، برئاسة الدكتور محمد عبد المنعم الجمل، وبمشاركة الدكتور ناصر السعدي، والدكتورة سمية السليمانية، والأستاذ الدكتور عبد المجيد بنجلالي، والأستاذ محمد زاهد جول.
واستعرضت الندوة المنجز المعرفي الضخم للشيخ محمد بن عبدالله بن حمد الحارثي، الذي كرس ربع قرن من البحث في الأرشيف البريطاني لإنتاج موسوعات تاريخية استراتيجية، شملت «موسوعة عُمان والوثائق السرية» و«موسوعة جذور الدولة العربية الحديثة» المكونة من خمسة وعشرين مجلدًا، تتناول تاريخ الخلافة العثمانية والالتزامات البريطانية والتغلغل الاستعماري والسياسات الدولية تجاه القومية العربية، مما يعد كشفًا تاريخيًا للأحداث من وجهة نظر صناع القرار، يوضح الخلفيات الحقيقية لنشوء الدول العربية الحديثة.
وشهدت الندوة مراسم إهداء نسخة من الكتب إلى مكتبة الإسكندرية، بناءً على مقترح من سفير سلطنة عُمان لدى جمهورية مصر العربية، تقديرًا لمكانة المكتبة الدولية كحاضنة للمعرفة الإنسانية وموئلًا للعلم، حيث أكد الحضور أن هذا الإهداء يوفر للباحثين مادة توثيقية ذات قيمة عالية، تفتح مسارات جديدة لتفعيل دور الترجمة كمحفز لبناء فكر عربي متجدد، وتأسيس حوار بنّاء بين العلماء والباحثين العرب.

img 20260402 wa0245 img 20260402 wa0240 img 20260402 wa0238 img 20260402 wa0243 img 20260402 wa0242 img 20260402 wa0237 img 20260402 wa0239 img 20260402 wa0241 img 20260402 wa0236 img 20260402 wa0234 img 20260402 wa0235 img 20260402 wa0232 img 20260402 wa0233 img 20260402 wa0229 img 20260402 wa0228 img 20260402 wa0230 img 20260402 wa0231 img 20260402 wa0244

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى