جلال إيران في مرآة الساحات

متابعة رفعت عبد السميع
في إطار مواكبة الأحداث والتطورات ومعرفة الوضع داخل إيران والذي تعتم عليه إعلامياً امريكا كي تصدر للعالم صور كاذبة وزائفه في إطار ذلك كان لابد أن نتعرف على نبض الشارع الإيراني من خلال هذا المقال بقلم الدبلوماسي والمستشار الثقافي السابق عباس خامه يار والذي نشرته جريدة الأخبار.كام وفيه يقول
في عدادِ العجائبِ التي حفلت بها صفحاتُ التاريخِ المعاصرِ لإيران، لا سيّما في هذه السنواتِ السبعِ والأربعين الحافلةِ بالأحداث، قلّما نجدُ حدثاً يُضاهي ما نشهدهُ في هذه الأيّام، ممّا يُدهشُ الناظرَ ويدعوهُ إلى التأمّلِ العميق. مشاهدُ حضورٍ شعبيٍّ ينهضُ من قلبِ الاختلافات، من تنوّعِ الأذواقِ والرؤى، ومن أجيالٍ تمتدّ من الطفلِ الصغير إلى الشيخِ الكبير، ومن طبقاتٍ اجتماعيّةٍ متباينة، من الريفِ إلى المدنِ الكبرى، لكنّهم جميعاً، في أفقٍ واحد، يتجلّون باسمِ إيران.
هذه الصورُ تُعيدُ إلى الأذهان، بلا استئذان، ذكرياتِ الانتفاضاتِ الشعبيّةِ في أيّامِ ثورةِ عام 1979، أولئك الذين عاشوا تلك اللحظاتِ الملتهبة، يُدركون بعمقِ وجدانهم هذا الامتدادَ التاريخيّ. غير أنّ هذا التشابهَ يخفي في طيّاته فروقاً عميقةً تستحقّ التأمّل:
أوّلها الشجاعة، وكأنّها تجاوزت حدودَ العادةِ واقتربت من مرتبةِ الإيمان. ففي تلك الأيّام، كان طليعةُ المتظاهرين يجعلون صدورهم دروعاً في مواجهةِ رصاصِ الطغاة، ليمهّدوا الطريقَ للآخرين. أمّا اليوم، فقد صار كلُّ فردٍ طليعةً بذاته، كلُّ جسدٍ درع، وكلُّ خطوةٍ بيانُ حضور. شعبٌ لا يقدّم صدرَه فحسب، بل يضعُ كيانَه كلّه في مواجهةِ أشدِّ الأسلحةِ فتكًا، ويهتفُ بإرادةٍ تتجاوزُ الخوفَ والموت، وهو يقفُ في وجهِ النارِ والحديدِ بقبضاتٍ مرفوعة هاتفاً بالموتِ لأعدائه.
وثانيها جلالُ رفعِ رايةِ الوطن، رايةٌ لم تعد حكراً على فئة، بل صارت في أيدي جميع أبناءِ الشعب. كأنّ تاريخَ بلادِنا لم يشهد من قبلُ مثلَ هذا الانسجامِ الواسع في تمجيدِ رمزٍ وطنيّ. الأعلامُ تتمايلُ مع الريح، والنشيدُ الوطنيُّ يجري على الألسنة، لا عن تكليفٍ، بل عن محبّةٍ صادقة. وهذه الموجةُ غيرُ المسبوقة ليست مظهراً عابراً، بل علامةٌ على إحياءِ إحساسٍ عميق: حبُّ الوطنِ الخالص و هو منَ الإيمان.
وثالثها التحوّلُ العجيبُ في علاقةِ الشعبِ بقوّاتهِ المسلّحة. فقد كانت الساحاتُ والشوارعُ في أحداث 1979 مسارحَ لمواجهاتٍ داميةٍ وفجواتٍ عميقة، تُرسمُ معالمُها بالرصاصِ والغضب. أمّا اليوم، فقد غدت تلك الساحاتُ نفسها موطناً للألفةِ والثقة. شعبٌ ينظرُ إلى قوّاتهِ بعينِ المحبّةِ والوفاء، وكأنّ همساً واحدًا يتردّد في الأرجاء: «أنتم احفظوا الجبهات، ونحن نصونُ ساحاتِ المدن». إنّه تلاحمٌ نادر، لا يمثّل تبدّلَ مشهدٍ فحسب، بل نضجَ تجربةٍ تاريخيّة.
لا ريب أنّ هذه المشاهدَ تُعدّ من أندر، وربّما من أسبق، فصولِ تاريخِ نضالاتِ الشعوبِ الساعيةِ إلى الحرّيّة. حيثُ تتشكّلُ الوحدةُ لا بإلغاءِ الاختلاف، بل باحتضانِه، وتتحوّلُ الإرادةُ الجماعيّةُ إلى قوّةٍ بنّاءة. إنّها بشائرُ غدٍ يتكوّن، غدٍ لا يُنسجُ في الخيال، بل يُبنى في خُطى اليومِ الواثقة.
ومع ذلك، يلوحُ في أفقِ هذا الأملِ قلقٌ خفيّ: أن لا يُعرف قدرُ هذا الشعبِ كما ينبغي، وأن تضيعَ هذه الملاحمُ الحيّةُ في غبارِ الغفلةِ أو رتابةِ الأيّام، فتغيب عن ذاكرةِ التأريخ. فالأمّةُ التي لا تُروى قصّتُها، تُغفل. وما يُغفل، يذوبُ مع الزمن.
ولعلّ اللحظةَ اليومَ، أكثر من أيّ وقتٍ مضى، تدعونا إلى أن لا نكونَ حاضرين في الساحاتِ فحسب، بل في صفحاتِ التاريخِ أيضاً، كي يُكتبَ ما يُسطرُ اليومَ بالدمِ والروح، غدًا بالقلمِ والصورةِ والبقاء.



