الصحافة على حافة الانهيار

بقلم: رضا شلبي العزالي
لم يعد الصحفي اليوم يبحث عن تحقيق استقصائي كامل الأركان ولا عن موضوع يضيف جديدًا للقارئ أويفتح بابًا للحقيقة، كثير من الصحفيين أصبحوا يبحثون فقط عن أقصر طريق لإنهاء العمل، ليس كسلًا ولا ضعفًا، بل هروبًا من واقع قاس فرضته الظروف فالوقت الذي يحتاجه التحقيق الجيد أصبح رفاهية، والمصاريف التي يتطلبها العمل الصحفي باتت عبئًا لا يقدر عليه صحفي دخله بالكاد يكفيه أيامًا معدودة، هكذا، وبهدوء مؤلم، فقدت الصحافة شيئًا من روحها لأن أحدًا لم يتوقف ليسأل كيف نطلب الإبداع ممن يعجز عن تدبير أساسيات حياته؟
اليوم يقف الصحفيون والعاملون في المؤسسات الصحفية القومية أمام حقيقة صادمة وهي الرواتب لم تعد تكفي حتى لأبسط متطلبات حياتهم والسؤال الذي يتردد في أروقة هذه المؤسسات بصوت خافت لكنه موجع من يوصل صوت الصحفيين؟ ومن يخبر المسؤولين أن رواتبنا لم تعد تكفي حتى لطفل رضيع؟
لنجرب حسابًا بسيطًا بعيدًا عن الأرقام الكبيرة والخطط الاقتصادية احتياجات طفل رضيع واحد من حفاضات ولبن وبعض مستلزمات العناية قد تتجاوز بسهولة قيمة الراتب بالكامل حتى بعد إضافة البدل فكيف يعيش الصحفي؟ وكيف يعيش الإداري أو العامل الذي يقل دخله عن ذلك بكثير؟
لم يعد الأمر مجرد تذمر أو شكوى معتادة إنه واقع يومي يعيشه آلاف العاملين في هذه المؤسسات كثير منهم يشعر أن راتبه الشهري قد لايساوي ثمن حذاء قد يشتريه أحد المسؤولين دون أن يفكر مرتين.
سيدي المسؤول عن شؤون هذه المؤسسات، دعني أضع أمامك صورة أكثر وضوحًا السيارة المخصصة لراحتك من الدولة، قد يساوي بنزينها الأسبوعي دخل ثلاثة أشهر لصحفي يعمل تحت إدارتك .. ثلاثة أشهر من العمل والجهد مقابل أسبوع واحد من الوقود فكيف يكون الحال بالنسبة للإداريين والعمال الذين تقل رواتبهم أكثر وأكثر؟
نحن لا نطلب امتيازات استثنائية، ولانسعى لرفاهية ما نطلبه بسيط وواضح العدل، نطلب راتبًا يحفظ الكرامة، ويكفي حياةً بسيطة، ويمنح الصحفي القدرة على أن يعمل بعقل صافٍ لابعقلٍ مثقلٍ بالديون والالتزامات.
المؤسسات الصحفية القومية لم تكن يومًا مجرد مبانٍ أو مطابع بل كانت منارات للكلمة الحرة والفكر الواعي لكن هذه المنارات لن تظل مضيئة إذا كان العاملون فيها يواجهون ضغوط الحياة وحدهم، بينما تتسع الفجوة بين ما يعيشونه وما يفترض أن يعيشوه.
إن تجاهل هذه الأزمة لن يحلها بل سيجعلها أكثر خطورة لأن الصحفي الذي يفترض أن يكون صوت المجتمع، لايجب أن يجد نفسه يومًا عاجزًا عن تدبير قوت يومه.
لذلك فإننا نناشد المسؤولين أن ينظروا بعين العدل أوحتى بعين الرحمة إلى أوضاع العاملين في المؤسسات الصحفية القومية، وأن يعاد النظر في الرواتب بما يتناسب مع واقع الحياة اليوم.
فالقضية لم تعد رفاهية مطالب… بل أصبحت مسألة كرامة.
ولأننا لا نريد أن يأتي يوم نجد فيه الصحفيين الذين يكتبون عن هموم الناس يقفون هم أنفسهم على أبواب المساجد، أو يتحولون إلى جامعي رسوم على المراحيض العامة، فقط لأن رواتبهم لم تعد تكفي للحياة.



