مقالات

ليلة القدر بين نور العلم والإيمان

بقلم: رضا شلبي العزالي

مشهد مهيب، صفوف طويلة متراصة، ووجوه جاءت من كل مكان، وقلوب معلقة بالسماء في انتظار لحظات الرحمة والمغفرة. كانت أصوات التلاوة تتردد في أرجاء المسجد العريق، تمتزج بخشوع المصلين وسكينة المكان، حتى يشعر الإنسان أن الزمن في تلك اللحظات يسير ببطء ليمنح القلوب فرصة أطول للخشوع. في ليلة السابع والعشرين من رمضان وقفت بين صفوف المصلين داخل مسجد عمرو بن العاص لأداء صلاة العشاء.

ومع اقتراب تلك الليلة التي يرجوها المسلمون من كل عام، ليلة القدر، يتدفق الناس إلى المسجد كما يتدفق الحجاج إلى بيت الله الحرام. ترى الطرق المؤدية إليه تمتلئ بالناس، والساحة تضيق بالأقدام المتزاحمة، ومع ذلك لا يشعر أحد بضيق أو تعب، فالجميع جاء يحمل في قلبه رجاءً كبيرًا ودعاءً ينتظر لحظة القبول.

ومن بين هذا الزحام ترى نورًا بشريًا لا تخطئه العين: وجوه أنهكتها هموم الحياة لكنها مضيئة بالإيمان، عيون دامعة، وشفاه تردد الدعاء، وقلوب تبحث عن لحظة صفاء بينها وبين خالقها. في تلك اللحظات يشعر الإنسان أن آلاف القلوب اجتمعت على نداء واحد، وأن الدعاء يرتفع من كل زاوية في المكان.

وفي تلك الليلة المباركة كان الحضور مميزًا، إذ ضم المسجد باقة من العلماء الأجلاء من أساتذة كلية أصول الدين بجامعة الأزهر، من دكاترة وعلماء أفاضل، ومديري مديرية الأوقاف، جاءوا يشاركون الناس الصلاة والذكر، ويضفون على المكان هيبة العلم إلى جانب روحانية العبادة، فاجتمع في المسجد نور العلم مع نور الإيمان في مشهد يعكس مكانة هذا الصرح الديني العريق.

وبينما كنت واقفًا بين الصفوف سرح فكري قليلًا في أحد المعتقدات الشعبية التي يتناقلها المصريون عبر الأجيال بطيبة قلوبهم وبساطة إيمانهم. يقول بعضهم إن هذا المسجد في تلك الليلة المباركة يطير بالمصلين إلى السماء. وربما لم يقصدوا الطيران بمعناه الحرفي بقدر ما أرادوا وصف ذلك الشعور العميق الذي يعيشه الإنسان في تلك اللحظات، شعور يجعل الروح أخف من همومها، وكأنها ارتفعت فعلًا فوق ضجيج الدنيا.

ولعل هذا الاعتقاد الشعبي لم يولد إلا من عظمة المشهد نفسه؛ فحين ترى هذا الجمع الهائل من الناس وقد تركوا بيوتهم وأعمالهم وجاؤوا في هذا الوقت لرحمة الله، تدرك أن هناك قوة روحية تجمعهم وتوحد قلوبهم، فيصبح المكان رغم ازدحامه عالمًا من الطمأنينة والسكينة.

إن المساجد العريقة مثل مسجد عمرو بن العاص ليست مجرد مبانٍ تاريخية، بل هي ذاكرة حية لأجيال تعاقبت على الصلاة والدعاء فيها، وفي ليالي رمضان، خاصة في العشر الأواخر، تتحول هذه المساجد إلى مشاهد إنسانية وروحية فريدة تختلط فيها هيبة التاريخ بصدق الإيمان.

وفي نهاية تلك اللحظات أدركت أن سر هذه الليلة لا يكمن في الحكايات التي يرويها الناس، بل في ذلك الشعور النادر الذي يجعل الإنسان أقرب ما يكون إلى الله؛ فربما لا يطير المسجد بالمصلين كما يقول البعض، لكن المؤكد أن أرواحهم في تلك الليلة ترتفع فعلًا… بالدعاء وبالإيمان وبالرجاء الذي لا ينقطع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى