كفى إعادة إنتاج الأزمات

بقلم: رضا شلبي العزالي
النقابة ليست منصبًا يُحتكر لعقود، والعمل النقابي ليس مكافأةً تُمنح لمن سبق له الجلوس على مقعد النقيب.
فالحياة الصحفية لا تُدار بعقلية البقاء الأبدي، وإنما تقوم على التداول، وتجديد الدماء، والمحاسبة على الإنجاز، لا على الأسماء أو المناصب.
أما عن «ميري»، فالسؤال الذي يفرض نفسه: ألم يحن الوقت لمراجعة التجربة؟ ألم يثبت الواقع أن الصحفيين يبحثون عن قيادة تحمل حلولًا حقيقية، لا عن إعادة تدوير الوجوه نفسها؟ سنوات طويلة مرت، وما زالت غالبية الصحفيين تعاني من تدني الأجور، وتراجع أوضاع المؤسسات، وغياب الأمان الوظيفي، بينما استنزفت معارك الانتخابات كثيرًا من الجهد والوقت.
ولا يتعلق الأمر بشخص أو اسم، وإنما بنهج تكرر مع أكثر من قيادة، أيًّا كانت توجهاتها؛ فالنتيجة التي يراها الجميع هي مهنة تواجه تحديات متراكمة، وصحفيون ينتظرون حلولًا طال غيابها، وثقة تراجعت بفعل وعود لم تتحول إلى واقع.
واليوم، وبعد تولي «ضياء» حقيبة وزارة الإعلام، يبرز سؤال مشروع: هل آن الأوان لفتح ملفات الإصلاح المؤجلة؟ وهل تتم مراجعة أي وقائع أُثيرت على مدار السنوات بشأن مخالفات إدارية أو مهنية، إذا كانت تستوجب التحقيق وفقًا للقانون؟ وهل تُحسم كل الملفات التي أُثيرت حولها تساؤلات، متى توافرت الأدلة والإجراءات القانونية اللازمة؟
إن طرح هذه الأسئلة ليس اتهامًا لأحد، بل هو حق أصيل لأعضاء الجمعية العمومية؛ فالشفافية لا تسيء إلى المؤسسات، وإنما تمنحها المصداقية، وأي ملف ظل محل جدل لسنوات يستحق أن يُحسم عبر الجهات المختصة، حتى يعرف الجميع الحقيقة.
ولا تقف التحديات عند هذا الحد، فهناك أزمة الصحف الخاصة، وحقوق الصحفيين، وضرورة الالتزام بالقوانين المنظمة للعمل، وخلق بيئة مهنية عادلة تحمي الصحفي وتصون كرامته. وهذه الملفات أولى بالاهتمام من الانشغال بالمعارك الانتخابية أو الحسابات الشخصية.
إن الصحفيين لم يعودوا يبحثون عن خطابات انتخابية أو وعود براقة، بل عن قيادة تمتلك الشجاعة لاتخاذ القرار، والإرادة لمواجهة المشكلات، والقدرة على تحويل الشعارات إلى إنجازات؛ فالمناصب إلى زوال، أما التاريخ فلا يُكتب إلا بما يُقدم للمهنة وأبنائها.
لقد آن الأوان لمرحلة جديدة يكون معيارها الإنجاز لا التاريخ، والعمل لا الشعارات، والكفاءة لا العلاقات.
نحتاج إلى قيادة تنتشل المهنة من سنوات التراجع، وتعيد إليها مكانتها وهيبتها، بعيدًا عن السعي وراء الأضواء أو الظهور الإعلامي باعتباره إنجازًا في حد ذاته.
كما يتطلع الصحفيون إلى أن تسود معايير واضحة وشفافة في إسناد المسئوليات داخل المؤسسات والنقابة، تقوم على الكفاءة والاستحقاق وتكافؤ الفرص، بما يعزز الثقة ويخدم المهنة، لا أن تبقى الانطباعات السائدة عن تغليب العلاقات الشخصية سببًا في اتساع فجوة الثقة بين الصحفيين وقياداتهم.
فالصحافة لا تحتاج إلى وجوه مكررة، بل إلى إرادة جديدة تعيد إليها الحياة، وتحفظ كرامة أبنائها، وتؤسس لمستقبل يستحقه كل صحفي مصري.



