الموسوعة الإنسانية العالمية

د. أحمد علي عثمان يكتب:
«المعروف»… ميزان الوحي في بناء المجتمع
مَعْنَى «المَعْرُوف» بِالفِكْرِ المَوْسُوعِيِّ
من القرآن الكريم والمعاملات والأسرة والتراحم العاطفي
يُعَدّ «المعروف» من المفاهيم المركزية في البناء القيمي للإسلام، إذ لا يقف عند حدود التعريف اللغوي أو الوعظ الأخلاقي، بل يتجاوز ذلك ليصبح ميزانًا عمليًا يضبط حركة الإنسان في علاقته بربه، وبنفسه، وبالناس، وبالعالم من حوله. ومن هنا يقدّم الفكر الموسوعي قراءة شاملة لهذا المفهوم، تربط بين الوحي والعقل والفطرة، وتترجمه إلى سلوك يومي حيّ.
في اللغة، «المعروف» هو ما تألفه النفس وتطمئن إليه وتستحسنه الفطرة السليمة. أما في الرؤية الموسوعية، فهو الميزان العملي للوحي في واقع الناس؛ ما أمر به الشرع، وأقرّه العقل السليم، واستحسنه العرف الصالح، وحقق المودة والرحمة بين البشر. وبذلك يصبح «المعروف» نقطة التقاء بين السماء والأرض، بين النص والواقع، في انسجام يحقق مقاصد الشريعة ويصون كرامة الإنسان.
وقد وردت كلمة «المعروف» في القرآن الكريم في سياقات متعددة، لكنها تجتمع حول بناء منظومة متكاملة للحياة. ففي قوله تعالى: ﴿خُذِ العَفْوَ وَأْمُرْ بِالعُرْفِ﴾ تتأسس قاعدة الحكم الرشيد على ما تعارف الناس على خيره. وفي قوله: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالمَعْرُوفِ﴾ يتجلى أن استقرار الأسرة لا يقوم إلا على هذا الميزان الدقيق من الرحمة والعدل. كما يؤكد القرآن أن حتى لحظات الفراق، كقوله: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالمَعْرُوفِ﴾، يجب أن تظل محكومة بالأخلاق، بعيدًا عن الانتقام أو الظلم. وهكذا يتضح أن «المعروف» ليس قيمة جزئية، بل هو قانون شامل يحكم الأسرة والسوق والدولة.
وفي مجال العبادات، يتجلى «المعروف» في يسر الدين ورفع الحرج عن المكلفين، فقد قرر النبي ﷺ أن «الدين يُسر»، وهو ما يظهر في تشريعات كقصر الصلاة في السفر، وإباحة الفطر للمريض والمسافر، وربط الزكاة بالحاجة، والحج بالاستطاعة. إن «المعروف» هنا ليس تخفيفًا عابرًا، بل هو أصل أصيل يعكس رحمة الشريعة وواقعيتها.
أما في المعاملات، فيرتكز «المعروف» على مجموعة من القيم التي تحفظ التوازن الاقتصادي والاجتماعي، أبرزها الصدق، والسماحة، والأمانة، والتكافل. فالتجارة القائمة على التراضي والوضوح تباركها الشريعة، بينما تُحارب كل صور الغش والاحتكار والاستغلال. ومن هذا المنطلق، يقوم التصور الموسوعي للاقتصاد على سوق عادل يخلو من الربا والغرر والظلم، ويعلي من كرامة العامل ويؤكد إنسانيته.
وتبقى الأسرة المجال الأعمق تجليًا لـ«المعروف»، حيث يظهر في أدق تفاصيل الحياة اليومية. يبدأ ذلك من حسن الاختيار القائم على الدين والخلق والتكافؤ، ثم يمتد إلى العشرة الزوجية التي تقوم على النفقة المعتدلة، والكلمة الطيبة، والتفاهم، والتشاور. كما يشمل برّ الوالدين، الذي يُعد من أسمى صور «المعروف»، ويؤكد أن بناء المجتمع يبدأ من داخل البيت. وحتى إذا انتهت العلاقة الزوجية، فإن «المعروف» يظل حاضرًا في «إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان»، بما يحفظ الكرامة ويصون الحقوق.
وخلاصة الرؤية الموسوعية أن «المعروف» هو تركيب متكامل يجمع بين الوحي والعقل والفطرة والعرف الصالح، ليشكّل منظومة أخلاقية متوازنة. فهو مع الله عبادة قائمة على اليسر، ومع النفس تزكية، ومع الأسرة مودة ورحمة، ومع الناس عدل وإحسان، ومع الأرض إعمار وتنمية.
إن بناء مجتمع إنساني راقٍ لا يبدأ من القوانين المجردة، بل من ترسيخ قيمة «المعروف» في السلوك اليومي، داخل البيت أولًا، ثم في السوق، ثم في مؤسسات الدولة. فحسن الاختيار، والعشرة بالمعروف، والتعامل بالعدل، هي الطريق إلى تحقيق السعادة الإنسانية في الدنيا، والارتقاء إلى القيم العليا في الآخرة.
اللهم ارزقنا «المعروف» في كل شيء.




