العمل كرامة الإنسان بين الوحي والفلسفة والتاريخ

د. أحمد عثمان يكتب
يظل العمل عبر التاريخ قيمةً إنسانيةً عليا، ارتبطت بكرامة الإنسان ووجوده، ولم يكن يومًا مجرد وسيلةٍ للرزق، بل رسالةً وعبادةً ووسيلةً لعمارة الأرض. ومن هذا المنطلق، تتناول هذه القراءة الموسوعية مكانة العمل بين الوحي والفلسفة والتاريخ، وصولًا إلى واقعنا المعاصر.
جاءت الرسالات السماوية لتؤكد أن العمل ليس خيارًا ثانويًا، بل هو أصلٌ في بناء الإنسان. ففي القرآن الكريم تتجلى قيمة العمل باعتباره تكليفًا إلهيًا وجزاءً عادلًا، يقول تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ﴾، ويقول سبحانه: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾. كما يربط الإسلام بين العمل والكرامة، حيث قال النبي ﷺ: «ما أكل أحدٌ طعامًا قط خيرًا من أن يأكل من عمل يده»، وقد جسّد الأنبياء هذه القيمة في حياتهم، فكانوا نماذج للعمل والكسب الحلال.
وفي التوراة والإنجيل نجد المعنى ذاته؛ فالعمل جزءٌ من الفطرة الإنسانية منذ خلق آدم، حيث كُلِّف بعمارة الأرض، كما أن التوازن بين العمل والراحة يمثل عبادةً في حد ذاته. ويؤكد العهد الجديد هذا المعنى بقوله: «من لا يشتغل فلا يأكل»، في دلالةٍ واضحةٍ على قدسية العمل، وأنه ليس مجرد نشاطٍ مادي، بل التزامٌ أخلاقي وروحي.
ولم تغب قضية العمل عن الفكر الفلسفي والاقتصادي؛ فقد رأى آدم سميث أن العمل هو أساس ثروة الأمم، وأن السوق يمكن أن ينتظم عبر ما سمّاه «اليد الخفية»، حيث يسهم سعي الأفراد لمصالحهم في تحقيق التوازن العام. وفي المقابل، قدّم كارل ماركس رؤيةً نقديةً اعتبر فيها أن النظام الرأسمالي ينتقص من حق العامل، إذ لا يحصل على القيمة الكاملة لجهده، مما يؤدي إلى ما يُعرف بالاغتراب، ومن هنا دعا إلى إنصاف العمال وإعادة توزيع الثروة. وبين هاتين الرؤيتين، يظل العمل محورًا أساسيًا في فهم العدالة الاقتصادية والإنسانية.
ويرتبط عيد العمال عالميًا بأحداث مدينة شيكاغو عام 1886، حين خرج آلاف العمال مطالبين بتحديد ساعات العمل بثماني ساعات يوميًا، وهي المطالب التي تحولت إلى رمزٍ عالمي لنضال العمال، خاصة بعد حادثة «هايماركت» التي سقط فيها ضحايا من العمال والشرطة. وفي مصر، بدأ الاحتفال بعيد العمال عام 1923 في الإسكندرية تضامنًا مع الحركة العمالية العالمية، ثم أصبح مناسبةً رسميةً لتكريم العامل المصري ودوره في بناء الوطن.
وتسعى الرؤية الموسوعية إلى الجمع بين القيم الروحية والعدالة الاجتماعية، فلا تنحاز لرؤية واحدة، بل تؤكد أن العمل حقٌ لا يجوز انتهاكه، وواجبٌ يرتبط بالمسؤولية، وكرامةٌ إنسانية لا سلعة، كما أنه توازنٌ بين الجهد والراحة والحياة. وفي هذا السياق، يتجه العالم اليوم إلى التركيز على بيئة العمل الإنسانية، من خلال الاهتمام بالصحة النفسية، وتحقيق العدالة في الأجور، ومواجهة تحديات التكنولوجيا والعمل عن بُعد، بما يحفظ للإنسان توازنه وكرامته.
ويمتد تقديس العمل في مصر من الحضارة القديمة التي قامت على الجهد الجماعي المنظم، إلى الدولة الحديثة التي سعت إلى تنظيم العمل وتشريعه، وصولًا إلى الحاضر الذي يشهد مشروعات قومية كبرى تعكس دور العامل المصري في بناء المستقبل.
يا عمال العالم… يا صُنّاع الحياة، إن العمل ليس مجرد جهدٍ يُبذل، بل قيمةٌ تُصان، وكرامةٌ تُحفظ، ورسالةٌ تُؤدّى. ففي الوحي هو عبادة، وفي الفلسفة هو حرية، وفي التاريخ هو نضال، وفي الحاضر هو أمل.
شعارنا:
من الإيمان… إلى الإنسان… إلى العمل… إلى عمارة الأرض.
﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾




