عرب وعالممقالات

حين تتحدث الجغرافيا.. هل وُضعت الكويت داخل معادلة العصا والجزرة قبل حرب إيران؟

 

محمدي الجارحي يكتب: 

في السياسة الدولية، لا تتحرك الأحداث الكبرى فجأة، ولا تتشكل الحروب بمعزل عن محيطها. فغالبًا ما تسبقها إشارات هادئة، وتحركات محسوبة، وملفات قديمة يُعاد فتحها في توقيتات دقيقة.

ومع اندلاع الحرب على إيران في 28 فبراير 2026، بدا أن سلسلة من التطورات المتلاحقة سبقت المواجهة العسكرية ومهّدت لبيئة إقليمية أكثر تعقيدًا، خصوصًا بالنسبة للكويت، التي وجدت نفسها في موقع جغرافي حساس بين أطراف متعددة.

وهنا يبرز تساؤل مشروع:

هل وُضعت الكويت تدريجيًا داخل معادلة ضغط غير مباشر، قوامها “العصا والجزرة”، قبل اندلاع الحرب على إيران؟

العراق يعيد فتح ملف الإحداثيات.. قبل الحرب بـ19 يومًا

في 19 يناير 2026، أودعت الحكومة العراقية إحداثيات بحرية جديدة لدى الأمم المتحدة، قبل أن تعود بغداد في 9 فبراير 2026 لتحديث تلك الإحداثيات وتوسيع نطاقها، ما أثار أزمة دبلوماسية مع الكويت.

الملف لم يكن تقنيًا بحتًا، إذ شملت الإحداثيات مناطق حساسة مثل:

– فشت العيج

– فشت القعيد

– أجزاء من خور عبدالله

– مناطق بحرية قريبة من جزيرة بوبيان

وهي مناطق ترتبط بالممرات البحرية الحيوية والتوازن الاستراتيجي في شمال الخليج.

اللافت في هذه الخطوة كان توقيتها، إذ جاء التحديث الأخير قبل 19 يومًا فقط من اندلاع الحرب على إيران في 28 فبراير 2026، ما وضع الكويت أمام توتر سياسي وأمني في لحظة إقليمية شديدة الحساسية.

28 فبراير.. الحرب تبدأ ومعادلة الكويت تتعقد

مع بدء الضربات العسكرية ضد إيران في 28 فبراير 2026، دخلت المنطقة مرحلة جديدة من التصعيد.

وفي الوقت ذاته، صدرت تحذيرات إيرانية مباشرة لدول الخليج، مفادها أن أي دولة تُستخدم أراضيها في العمليات العسكرية ستُعد جزءًا من المواجهة.

بهذا التحذير، وجدت الكويت نفسها أمام معادلة دقيقة:

– وجود قواعد عسكرية أمريكية على أراضيها

– توتر متصاعد مع العراق

– تهديد إيراني مباشر

– حرب إقليمية مفتوحة

هذا التداخل جعل الكويت في موقع شديد الحساسية، حيث أصبح الحفاظ على التوازن السياسي أكثر صعوبة من أي وقت مضى.

7 أبريل.. حادث البصرة يعيد رسم المشهد

في 7 أبريل 2026، تعرض منزل قرب مدينة البصرة لهجوم صاروخي أدى إلى سقوط ضحايا، بينهم طفل، وفق تقارير عراقية.

وسرعان ما أشارت مصادر عراقية إلى أن الصواريخ جاءت من اتجاه الكويت، حيث تتمركز قوات أمريكية.

لم تمضِ ساعات حتى تصاعدت الأحداث بشكل سريع:

– احتجاجات شعبية واسعة في البصرة

– اقتحام القنصلية الكويتية

– إنزال العلم الكويتي

– تصاعد خطاب التوتر الشعبي

هذا التطور نقل الأزمة من مستوى سياسي إلى مستوى شعبي، وأعاد إدخال الكويت في دائرة توتر حساسة مع العراق، في توقيت كانت فيه المنطقة تشهد تصعيدًا عسكريًا متزايدًا.

وجاء حادث البصرة بعد 38 يومًا من اندلاع الحرب على إيران، وفي لحظة كانت دول الخليج تحاول تجنب الانخراط المباشر في المواجهة، ما جعل الكويت تبدو فجأة في موقع أكثر تعقيدًا.

تسلسل زمني يعكس بيئة ضغط متصاعدة

التطورات المتتابعة جاءت وفق تسلسل واضح:

– 19 يناير 2026 — العراق يودع الإحداثيات البحرية

– 9 فبراير 2026 — تحديث الإحداثيات وتوسيعها

– 28 فبراير 2026 — اندلاع الحرب على إيران

– 7 أبريل 2026 — حادث البصرة

– بعد ساعات — اقتحام القنصلية الكويتية

هذا التسلسل الزمني وضع الكويت في مسار تصاعدي من الضغوط السياسية والأمنية خلال فترة قصيرة نسبيًا.

العصا والجزرة.. قراءة في المشهد

في العلاقات الدولية، تُستخدم سياسة “العصا والجزرة” لدفع الحلفاء نحو مواقف معينة دون إعلان مباشر.

في الحالة الكويتية، تبدو عناصر هذه المعادلة حاضرة:

العصا:

– إعادة فتح ملف الإحداثيات مع العراق

– تصاعد التوتر الشعبي في البصرة

– التحذيرات الإيرانية المباشرة

الجزرة:

– الحماية الأمريكية

– المظلة العسكرية

– الردع الإقليمي

في مثل هذه الظروف، لا تكون الضغوط معلنة، لكنها تصبح واقعًا محسوسًا يفرض نفسه على القرار السياسي.

الكويت.. بين الحياد والجغرافيا

لطالما تبنت الكويت سياسة خارجية متوازنة تقوم على تجنب الصراعات المباشرة والحفاظ على علاقات مستقرة مع مختلف الأطراف.

لكن موقعها الجغرافي يجعلها دائمًا عرضة لتأثيرات التوترات الإقليمية، خصوصًا في ظل وجود قواعد عسكرية أمريكية، وحدود مع العراق، وقرب جغرافي من إيران.

هذه المعطيات تجعل أي تصعيد إقليمي يتحول تلقائيًا إلى عامل ضغط مباشر على الكويت، ويجعل خياراتها السياسية أكثر تعقيدًا.

الخلاصة.. الكويت في قلب معادلة أكبر

في الشرق الأوسط، لا تتحرك الجغرافيا عبثًا، ولا تُفتح الملفات صدفة، ولا تتقاطع التوقيتات بلا معنى.

فحين يُعاد إحياء الملفات القديمة، وتتزامن التحذيرات، وتتصاعد الأحداث في مسار واحد، تصبح الرسائل أوضح من التصريحات.

ربما لم تُطلب من الكويت المشاركة صراحة…

لكنها وُضعت، بهدوء، داخل معادلة تجعل الحياد أكثر صعوبة، والقرار أكثر كلفة.

وفي عالم السياسة.. لا تُصنع المواقف دائمًا بالقوة المباشرة،

بل أحيانًا تُصاغ بهدوء.. حتى يجد الجميع أنفسهم أمام واقع لم يختاروه.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى