Site icon السفير

فنجان شاي… وتهمة انتحار

فنجان شاي… وتهمة انتحار

بقلم:  رضا شلبي العزالي

أثناء تناولي فنجان الشاي، في لحظة هدوء عابرة، كانت الرشفة الأولى ساخنة إلى حدٍ كاد أن يخطف أنفاسي. شعرت للحظة أنني على وشك الاختناق، وأن روحي تكاد تفارق جسدي. سرعان ما تمالكت نفسي، ورددت: الحمد لله. لكن تلك اللحظة العابرة أيقظت في ذهني فكرة غريبة: ماذا لو اعتُبر ما حدث محاولة انتحار؟

تسللت الفكرة إلى عقلي، وبدأت أتساءل بجدية ممزوجة بالسخرية: هل يمكن أن أُدان قانونيًا بسبب «محاولة انتحار» غير مقصودة؟ فوجدت نفسي أبحث في كتب القانون والمواد التشريعية، محاولًا اكتشاف ثغرة تتيح الهروب من عقوبة محتملة. لكن المفارقة المدهشة أن هذه «المحاولة» لم يشهدها أحد، وكأنها جريمة بلا شهود.

إن الغرابة لا تكمن في الموقف ذاته، بل في مشروع قانون يُتداول بشأن فرض غرامة تصل إلى 50 ألف جنيه على من يحاول الانتحار. مثل هذا التوجه التشريعي يثير العديد من التساؤلات حول مدى إدراكه للظروف النفسية والاجتماعية التي قد تدفع الإنسان إلى التفكير في إنهاء حياته؛ فبدلًا من أن يكون القانون طوق نجاة، يتحول إلى أداة عقاب تضاعف معاناة الضحية.

الانتحار ليس جريمة بقدر ما هو صرخة استغاثة تعكس ألمًا نفسيًا عميقًا أو ضغوطًا حياتية قاسية. التعامل مع هذه الظاهرة يجب أن يستند إلى رؤية إنسانية شاملة، تركز على الدعم النفسي وإعادة التأهيل، لا على العقوبات المالية التي قد تزيد من شعور اليأس والعجز.

إن سنّ تشريعات دون دراسة متأنية للأبعاد النفسية والاجتماعية للمجتمع قد يؤدي إلى نتائج عكسية، حيث يُعاقَب المظلوم بدلًا من إنقاذه. فالقوانين العادلة هي تلك التي تحمي الإنسان وتمنحه الأمل، لا التي تزيد من أعبائه وتدفعه إلى مزيد من العزلة.

فكانت مجرد «رشفة شاي» كفيلة بإثارة تساؤلات عميقة حول مفهوم العدالة والرحمة في التشريع. فهل نحتاج إلى قوانين تعاقب الألم، أم إلى سياسات تحتضن الإنسان وتساعده على التمسك بالحياة؟

Exit mobile version