Site icon السفير

خالد الشربيني يكتب: “سما” طفلة قُتلت مرتين حين عُذّبت.. وحين تُركت بلا اسم

خالد الشربيني يكتب: “سما” طفلة قُتلت مرتين حين عُذّبت..  وحين تُركت بلا اسم

في بعض الوقائع، لا تكفي الكلمات لوصف ما جرى، ولا تكفي القوانين وحدها لاحتواء حجم الألم. ما كُشف في هذه الجريمة، التي أعلنت تفاصيلها وزارة الداخلية المصرية، يتجاوز حدود الجريمة الجنائية، ليصطدم مباشرة بضمير المجتمع كله.

القصة تبدأ من النهاية…

طفلة صغيرة، لم تُكمل عامها الثالث، تُحمل إلى “تُربي” لدفنها سريعًا، في صمت، دون أوراق، دون شهادة ميلاد، ودون حتى تصريح دفن. محاولة عابرة لتمرير الحكاية باعتبارها “سقوطًا من على السلم”.

لكن شيئًا ما لم يكن طبيعيًا.

عينٌ خبِرت الموت، أدركت أن ما تراه ليس موتًا عاديًا. آثار حروق وتعذيب واضحة على جسدٍ صغير، لا يمكن تفسيرها بحادث عرضي. هنا، انتصر الضمير على الصمت. رفض “التُربي” أن يكون شريكًا في دفن الحقيقة، وأبلغ الشرطة.

من هذه اللحظة، بدأت خيوط الجريمة تتكشف… خيطًا خيطًا.

“سما”… طفلة جاءت إلى الدنيا بلا حماية. زواج غير موثق، أم اختفت، وأب لم يكن أهلًا للأبوة. تُركت الصغيرة في بيئة خالية من أي معنى للرحمة، لتتحول حياتها القصيرة إلى سلسلة من الانتهاكات التي لا يمكن لعقل أن يتخيلها.

داخل هذا البيت، لم تكن هناك أسرة… بل دائرة مغلقة من العنف.

اعتداءات جسدية وجنسية متكررة، شارك فيها الأب، ثم امتدت لتشمل الجد، في مشهد يكشف عن انهيار أخلاقي كامل، حيث تحوّل الجسد الصغير إلى ضحية مستمرة، بلا صوت، بلا حماية، بلا نجدة.

ومع تصاعد الألم، بدأ الجسد يصرخ بطريقته… تبول لا إرادي، نتيجة ما تتعرض له.

لكن بدلًا من أن يُفهم هذا كنداء استغاثة، جاء الرد أكثر قسوة. زوجة الأب اختارت التعذيب وسيلة “للعقاب”، فسُكبت المياه المغلية على جسد الطفلة، مرات ومرات، حتى لم يعد الجسد قادرًا على الاحتمال.

وفي لحظة ما… توقفت “سما” عن الصراخ.

رحلت.

لكن حتى بعد الموت، لم تُمنح حقها في الكرامة.

حاولوا دفنها كما عاشت: في الظل، بلا اسم، بلا أثر. إلا أن لحظة إنسانية واحدة، من شخص بسيط، كانت كفيلة بأن تُسقط هذا الصمت كله، وتعيد فتح القضية أمام العدالة.

التحقيقات كشفت ما هو أبشع من الخيال. لم تكن “سما” مجرد ضحية إهمال، بل ضحية منظومة كاملة من العنف الأسري، والتواطؤ، والغياب التام لأي رقابة أو حماية. طفلة عاشت ثلاث سنوات خارج كل أنظمة الرصد، بلا أوراق، بلا تسجيل، بلا متابعة… وكأنها لم تكن موجودة أصلًا.

هذه الجريمة لا تخص أسرة بعينها فقط، بل تطرح أسئلة قاسية:

كيف تختفي طفلة ثلاث سنوات عن أعين المجتمع؟

كيف تمر كل هذه الانتهاكات دون أن يلحظها أحد؟

وأين كانت آليات الحماية؟

“سما” لم تكن رقمًا في سجل الجرائم…

كانت إنسانًا صغيرًا، يستحق الحياة، والحنان، والنجاة.

رحلت “سما”… لكن قصتها يجب أن تبقى.

تبقى كجرس إنذار، يوقظ الضمائر، ويعيد طرح سؤال قديم يتجدد مع كل مأساة:

كيف نحمي من لا صوت لهم؟

لأن أخطر ما في هذه الحكاية…

ليس فقط وجود “وحوش بملامح بشرية”…

بل أن تبقى مثل هذه الجرائم ممكنة، دون أن نراها… أو نمنعها

Exit mobile version