في لحظات التحول الكبرى، لا يكون الحدث مجرد مواجهة عسكرية عابرة، بل اختبارًا لمعادلات القوة ولمستقبل الإقليم بأكمله. ما تتعرض له إيران اليوم يتجاوز كونه عملية عسكرية محدودة؛ إنه تطور يحمل في طياته احتمالات إعادة تشكيل التوازنات في الشرق الأوسط، وربما إعادة رسم خرائطه السياسية والأمنية.
العدوان – أيا كانت مبرراته المعلنة – لا ينبغي أن يُستقبل بالشماتة أو الحسابات الضيقة. فالتجربة القريبة لا تزال ماثلة في الأذهان حين اجتاحت الولايات المتحدة العراق عام 2003، تحت إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق بوش، وانتهى الأمر إلى تفكيك دولة مركزية، وإطلاق موجات من الفوضى وعدم الاستقرار ما زالت تداعياتها تضرب المنطقة حتى اليوم. لم يكن سقوط بغداد حدثًا عراقيًا فحسب، بل زلزالًا إقليميًا أعاد تشكيل الخريطة السياسية والأمنية لسنوات طويلة.
اليوم، تبدو حكومة نتيناهو أكثر اندفاعًا نحو توسيع نطاق المواجهة. فالرجل الذي بنى خطابه السياسي على فكرة “التهديد الوجودي” يرى في اللحظة الراهنة فرصة تاريخية لإعادة هندسة البيئة الاستراتيجية المحيطة بإسرائيل. الدعم الأمريكي شبه المطلق يمنحه هامش حركة غير مسبوق، خصوصًا في ظل إدارة أمريكية ترى في تعزيز التفوق الإسرائيلي أولوية تتقدم على أي اعتبارات أخرى.
لكن السؤال الجوهري ليس في حسابات تل أبيب وواشنطن وحدهما، بل في كلفة السيناريو البديل. إذا تكرّر نموذج التفكيك الذي شهده العراق، فإن المنطقة مقبلة على موجة اضطراب جديدة قد لا تتوقف عند حدود دولة بعينها. انهيار دولة بحجم وتأثير إيران لن يعني مجرد تغيير في موازين القوى، بل سيطلق سباقًا إقليميًا محمومًا على النفوذ، ويُغري قوى أخرى بالتدخل، ويهدد بنقل الصراع إلى ساحات متعددة.
ثمة من يروّج لمفهوم “الشرق الأوسط الجديد” باعتباره مشروعًا لإعادة ترتيب الإقليم وفق خرائط سياسية وأمنية مختلفة. غير أن التجارب السابقة تشير إلى أن مثل هذه المشاريع غالبًا ما تُكتب بدماء الشعوب، وتُنفّذ على حساب استقرار الدول الوطنية. تمدد إسرائيل إقليميًا، وتكريس هيمنتها العسكرية، وفرض وقائع سياسية جديدة، كلها أهداف لا تنفصل عن أي عملية إضعاف كبرى لدولة مركزية في المنطقة. وفي المقابل، تبقى الثروات النفطية والموارد الاستراتيجية عنصرًا حاضرًا في الحسابات الأمريكية، سواء تحت شعار حماية الأمن العالمي أو ضمان تدفق الطاقة.
من هنا، فإن الموقف العقلاني لا يقوم على تبني سياسات أي طرف، بل على إدراك أن تفكك الدول لا يخدم شعوب المنطقة. الإدانة المبدئية لأي عدوان على سيادة دولة هو موقف يتسق مع القانون الدولي ومع مصلحة الاستقرار الإقليمي. أما الشماتة، فهي قراءة قصيرة النظر لتجارب أثبتت أن انهيار دولة عربية أو إقليمية لم يؤدِّ يومًا إلى تعزيز أمن جيرانها، بل إلى توسيع دوائر الفوضى.
صمود إيران – بمعناه السياسي والمؤسسي – لا يعني تبني سياساتها أو الدفاع عن خياراتها، بل منع انزلاق المنطقة إلى فراغ استراتيجي جديد. فالفراغ في الشرق الأوسط لا يبقى طويلًا بلا من يملؤه، وغالبًا ما تملؤه قوى خارجية بأجندات لا تعكس مصالح شعوبه.
إن اللحظة الراهنة تفرض على العواصم العربية قراءة دقيقة للمشهد، بعيدًا عن الاصطفافات الانفعالية. المطلوب ليس الانخراط في صراع جديد، بل العمل على منع تحوله إلى حرب مفتوحة تعيد إنتاج سيناريو التفكيك الذي عانت منه المنطقة مطلع الألفية. فبديل الدولة المتماسكة ليس الدولة المثالية، بل الدولة المنهارة.
وفي زمن التحولات الكبرى، لا تكون الحكمة في انتظار سقوط الآخرين، بل في منع السقوط الذي قد يطال الجمي
