Site icon السفير

الحل للنساء.. الاحتواء ام العزل

الحل للنساء.. الاحتواء ام العزل

بقلم: رضا شلبي العزالي

أثناء تناولى فنجان قهوة الفجر، خطر فى بالى ما قالته نائبة البرلمان عن التبرع بجلد المتوفين، فانتابنى شعور لا يشبه الدهشة بقدر ما يشبه الإهانة « اهانة لفكرة الإنسان نفسها» فعندما يصل النقاش العام الى حد اقتراح تفكيك الجسد بعد الموت باعتباره «مورداً» ندرك أننا لم نعد نتحدث عن سياسات عامة، بل عن منطق يرى البشر مخازن قطع غيار مؤجلة.

فى تلك اللحظة، لم يكن الربط صعباً. من جلد الموتى إلى قرى الأحياء، من الجسد بعد الرحيل إلى الحياة قبل الرحيل، قفزت إلى ذهنى قرية السماحة بمركز إدفو تلك التى رفعت يوماً كشعار إنسانى نبيل، بينما تخفى فى تفاصيلها سؤالاً أكثر قسوة، متى تتحول الرحمة إلى إدارة؟ ومتى يصبح الفقراء مشروعاً طويل الأمد؟

تأسست قرية السماحة فى أواخر التسعينيات كمشروع لإيواء النساء المعيلات من مطلقات وأرامل، عبر منحهن مساكن وأراضى زراعية يفترض أن تساعدهن على بناء حياة مستقلة، وعلى الرغم من ان الفكرة بدت انسانية فى ظاهرها فإنها حملت فى جوهرها اعترافًا غير مباشر بفشل منظومات اجتماعية واقتصادية فى حماية هذه الفئة داخل مجتمعاتها الأصلية.

فبدلاً من دمج النساء المعيلات فى نسيج المجتمع جرى إنشاء مجتمع منفصل لهن وهو ما يفتح باب تساؤل صريح.. هل يتحقق تمكين المرأة بمنحها قطعة أرض وعملاً شاقاً فقط، أم بتهيئة بيئة اجتماعية واقتصادية تضمن حقوقها دون الحاجة إلى اقتلاعها من محيطها الطبيعى؟ 

تقف قرية السماحة بمركز إدفو اليوم كواحدة من أكثر التجارب الاجتماعية إثارة للجدل فى صعيد مصر، قرية تبدو فى ظاهرها نموذجاً للتمكين الاقتصادى للمرأة، لكنها فى العمق تطرح أسئلة حادة حول حدود الدعم الحكومى، ومفهوم العدالة الاجتماعية، والفارق بين الاحتواء الحقيقى والعزل غير المعلن.

داخل السماحة، تتحمل النساء أدواراً مركبة تتجاوز حدود التمكين التقليدى. فالسيدة هنا ليست فقط أماً ومعيلة، بل مزارعة، ومربية ماشية، ومديرة منزل، وأحياناً عاملاً وحيداً بلا أى شبكة دعم حقيقية، تبدأ الحياة مع شروق الشمس، وتنتهى بعد يوم طويل من العمل الشاق، فى مشهد قد يروج له كقصة كفاح ملهمة، لكنه فى جوهره يكشف حجم الأعباء التى ألقيت على أكتاف النساء دون منظومة حماية متكاملة.

ويكشف اعتماد القرية شبه الكامل على الزراعة وتربية الماشية عن هشاشة اقتصادية واضحة، فضعف التسويق، وارتفاع تكاليف الإنتاج، وتقلبات المناخ، كلها عوامل تجعل مصدر الدخل الوحيد عرضة للانهيار فى اى لحظة، ومع محدودية فرص التعليم والتدريب المهنى المتنوع، تبدو فرص الجيل الجديد فى كسر دائرة الفقر محدودة ومؤجلة.

ورغم مرور سنوات طويلة على انشاء القرية، لا تزال بعض الخدمات الأساسية محل شكاوى متكررة، سواء في البنية التحتية أو الرعاية الصحية أو وسائل النقل، وهو ما يطرح علامات استفهام جدية حول استدامة المشروع، خاصة أن التمكين الحقيقى لا يُقاس فقط بتوفير المسكن والأرض، بل بقدرة المجتمع على النمو وتوفير حياة كريمة متعددة الأبعاد.

لا يمكن انكار أن قرية السماحة نجحت فى إنقاذ مئات النساء من التشرد والفقر المدقع، لكنها فى الوقت ذاته تقدم نموذجًا مليئاً بالتناقضات. نموذج يشيد بقوة المرأة وقدرتها على الصمود، لكنه يكشف أيضاً عن فجوات عميقة فى السياسات الاجتماعية، حين يصبح الحل الأسهل هو إنشاء مجتمعات بديلة، بدلاً من إصلاح المجتمع الأصلى الذى لفظ هذه الفئات من الأساس.

وتظل تجربة السماحة واحدة من أكثر التجارب جرأة في مصر، لكنها تطرح سؤالاً أكبر من حدود القرية نفسها.. هل تمكين الفئات الهشة يتحقق بدمجها فى المجتمع، أم بإنشاء مجتمعات جديدة تدار باسم الرحمة؟

بين النجاح الإنسانى والقصور التنموى، تظل السماحة شاهداً على معركة طويلة تخوضها المرأة المصرية، لا من أجل البقاء فقط، بل من أجل الاعتراف الكامل بحقها فى حياة عادلة داخل مجتمعها… لا على هامشه.

 

Exit mobile version