إنقاذ الصحافة يبدأ بمحاسبة الجميع

بقلم: رضا شلبي العزالي
كلما اشتدت أزمات المهنة اتجهت بعض الأصوات إلى تحميل المؤسسات الصحفية القومية مسئولية كل ما يحدث داخل الوسط الصحفي وكأنها سبب الأزمة وليست إحدى الجهات التي تتحمل أعباءها منذ سنوات طويلة هذه النظرة تختزل المشهد وتغفل حقيقة مهمة وهي أن المؤسسات القومية تختلف جذريًا عن كثير من الصحف الخاصة في حجم الالتزامات والواجبات الملقاة على عاتقها. فهي لا تدير صحيفة فقط بل تدير مؤسسات تضم آلاف الصحفيين والعمال والإداريين والفنيين، وتتحمل رواتبهم، تأميناتهم ونفقات الطباعة والتشغيل والتوزيع والصيانة والضرائب، فضلًا عن دورها الوطني والتنويري الذي لا يمكن إنكاره.
وفي المقابل، لا يمكن تجاهل أن بعض الصحف الخاصة اعتمدت لسنوات على نماذج تشغيل أضرت بالمهنة، فهناك من يعمل دون راتب ثابت، أو بعقود غير مستقرة، بل إن البعض أُجبر على توقيع استقالة مسبقة قبل مباشرة عمله، في مخالفة واضحة لحقوق العاملين وكرامتهم المهنية.
ومن غير المنطقي أن تتحمل الدولة أو المؤسسات القومية نتائج هذه الممارسات، بينما يظل بعض أصحاب تلك المؤسسات بمنأى عن المساءلة. فالمسئولية يجب أن تقع أولًا على من خالف القانون وأهدر حقوق العاملين لديه.
إذا كنا نبحث عن إصلاح حقيقي للمهنة، فإن البداية يجب أن تكون من تنظيم سوق العمل الصحفي، ووضع معايير واضحة للقيد والتعيين، وإلزام كل مؤسسة صحفية بتوفير الحد الأدنى من الحقوق، وفي مقدمتها الأجر العادل، والعقد القانوني، والتأمينات الاجتماعية، وسداد الالتزامات المالية المستحقة للنقابة وفقًا للقانون.
كما أن الرقابة على المؤسسات الصحفية يجب أن تكون أكثر فاعلية، ليس بهدف التضييق على حرية الصحافة، وإنما لحماية المهنة من الممارسات التي تسيء إليها، وتحفظ كرامة الصحفي وحقوقه، وتحقق منافسة عادلة بين جميع المؤسسات.
إن الدفاع عن المؤسسات القومية لايعني أنها بلا أخطاء، فهي بحاجة إلى التطوير والتحديث ورفع كفاءتها الاقتصادية والإدارية، لكن إصلاحها يجب أن يسير بالتوازي مع إصلاح أوضاع الصحف الخاصة، لا أن تتحول إلى شماعة تُعلق عليها أخطاء الآخرين.
ستظل المؤسسات الصحفية القومية إحدى ركائز الدولة المصرية، ومنابر للوعي والتنوير، مهما واجهت من تحديات. أما مستقبل الصحافة، فلن يتحقق بإلقاء الأعباء على جهة واحدة، بل بإرساء منظومة عادلة يتحمل فيها كل طرف مسئولياته كاملة، ويُحاسب كل من يفرط في حقوق الصحفيين أو يسيء إلى المهنة.
فالصحافة لا تبنى بالشعارات وإنما تبنى بالمؤسسات القوية، والقوانين العادلة والالتزام بحقوق الإنسان واحترام الكلمة وصون كرامة الصحفي




