خالد الشربيني يكتب : «برشامة».. الضحك على أطلال القيم

نجح فيلم «برشامة» في تجاوز حدود الكوميديا التقليدية ليقدم قراءة اجتماعية عميقة لأزمة تتجاوز أسوار المدارس وقاعات الامتحانات. فالعمل لا يناقش الغش باعتباره مخالفة تعليمية فحسب، بل يقدمه كعرض لمرض أوسع أصاب منظومة القيم، حيث أصبح الوصول إلى النتيجة أهم من الطريقة التي تتحقق بها.
داخل لجنة امتحان واحدة، تتكشف ملامح مجتمع كامل. الجميع يسعى إلى تحقيق مصلحته الخاصة، والضغوط تحاصر الجميع، بينما تتراجع المبادئ أمام إغراء المكسب السريع. ومع تطور الأحداث، يدرك المشاهد أن الامتحان الحقيقي ليس ذلك الموجود على أوراق الأسئلة، بل الامتحان الأخلاقي الذي تخوضه الشخصيات في كل لحظة.
الفيلم يطرح فكرة مقلقة مفادها أن الخلل لم يعد مقتصراً على أفراد بعينهم، بل امتد ليشمل بيئة كاملة تتسامح مع الخطأ وتبحث له عن المبررات. فالغش لم يعد يُنظر إليه باعتباره سلوكاً مشيناً، بل تحول لدى البعض إلى وسيلة مشروعة لتحقيق التفوق، وكأن المجتمع أعاد صياغة مفاهيم النجاح والفشل بما يتناسب مع واقع مأزوم.
ومن خلال شخصياته المتنوعة، يكشف العمل كيف يمكن للضغوط الاجتماعية أن تدفع الأفراد إلى التخلي عن قناعاتهم. فالرغبة في الحصول على شهادة أو تحقيق مكانة اجتماعية تصبح أحياناً أقوى من الالتزام بالقواعد، ما يؤدي إلى تآكل تدريجي لفكرة الاستحقاق والعدالة.
كما يوجه الفيلم نقداً غير مباشر لدور الأسرة في تشكيل هذه الثقافة. فعندما يصبح الإنجاز الشكلي هدفاً مطلقاً، تتراجع أهمية الجهد الحقيقي والتعلم، ويكبر الأبناء وهم يعتقدون أن النتائج وحدها هي ما يستحق الاحتفاء، بغض النظر عن الوسائل المستخدمة للوصول إليها.
ومن النقاط اللافتة أن العمل لا يقدم الغش كظاهرة تخص جيلاً معيناً، بل يرسم صورة لانتشاره بين فئات عمرية واجتماعية مختلفة، في إشارة إلى أن الأزمة أصبحت جزءاً من الواقع اليومي وليست مجرد سلوك طارئ أو استثناء محدود.
كذلك ينجح الفيلم في إظهار التناقض بين الشعارات التي يرفعها المجتمع وبين الممارسات الفعلية على الأرض. فالكثيرون يتحدثون عن النزاهة والانضباط، لكنهم في أول اختبار حقيقي يبحثون عن استثناءات ومخارج تضمن لهم تحقيق مصالحهم الشخصية.
ورغم الطابع الكوميدي الذي يغلف الأحداث، فإن الرسالة النهائية تأتي شديدة الجدية؛ فالمجتمعات لا تتضرر فقط من انتشار الغش، بل من اعتياد الناس عليه وقبولهم له باعتباره أمراً عادياً. وعندما تفقد الأخطاء قدرتها على إثارة الرفض، تبدأ الأزمات الحقيقية في الترسخ داخل الوعي الجمعي.
في النهاية، يقدم «برشامة» أكثر من مجرد حكاية عن امتحان دراسي. إنه عمل يضع المجتمع أمام مرآته، ويطرح تساؤلات صعبة حول قيمة التعليم، ومعنى النجاح، وحدود المسؤولية الأخلاقية. ولهذا تبقى قوة الفيلم في أنه يدفع المشاهد إلى التفكير فيما هو أبعد من الضحك، وإلى مراجعة الكثير من المسلمات التي اعتاد التعامل معه.




