تأملات في الإبادة الجماعية ضد التوتسي في رواندا عام 1994

كتب رفعت عبد السميع
في السابع من إبريل من كل عام، يُحيي الروانديون وأصدقاء رواندا في مختلف أنحاء العالم ذكرى الإبادة الجماعية ضد التوتسي عام 1994، وهي حملة قتل جماعي مُنظَّمة بعناية أودت بحياة أكثر من مليون شخص خلال مائة يوم فقط، من أبريل إلى يوليو 1994. وما جرى لم يكن اندلاعًا عفويًا للعنف، بل كان حصيلة عقود من الكراهية التي رعتها الدولة، والتجريد من الإنسانية، والتمييز العرقي الموجَّه ضد التوتسي في رواندا، مما جعلها أسرع إبادة جماعية تم تسجيلها في تاريخ البشرية.
ويصادف هذا العام الذكرى الثانية والثلاثين، التي تُقام تحت شعار “تذكر، توحد، تجدد” — وهو نداء يتردد صداه ليس فقط داخل حدود رواندا، بل في جميع أنحاء العالم.
وفي القاهرة، نظمت سفارة رواندا في مصر مراسم إحياء رسمية في 7 أبريل 2026، جمعت أعضاء الجالية الرواندية، ومسؤولين من الحكومة المصرية، وأعضاء السلك الدبلوماسي، وممثلي القوات المسلحة المصرية، وممثلي مجتمع الأعمال، والقيادات الدينية، وأصدقاء رواندا.
ومثّل الحكومة المصرية في هذه المناسبة السفير كريم شريف، مساعد وزير الخارجية للشؤون الإفريقية بجمهورية مصر العربية، الذي شارك كضيف شرف ممثلاً عن معالي الدكتور بدر عبد العاطي، وزير الخارجية والتعاون الدولي والمصريين بالخارج. وفي كلمته، عبّر السفير كريم شريف عن تضامن مصر مع رواندا وشعبها، وقدم تحية إجلال عميقة لأكثر من مليون روح بريئة أُزهقت خلال الإبادة الجماعية.
واستحضر السفير كريم شريف فداحة المأساة، مشيرًا إلى فترة انقلب فيها الجيران على جيرانهم، وتُرك مئات الآلاف من الأطفال أيتامًا، وأُبيدت أسر بأكملها — حيث استُهدف الضحايا فقط بسبب هويتهم العرقية. ووصف الإبادة الجماعية بأنها وصمة في الضمير الجماعي للإنسانية، وتذكير قاسٍ بإرث الاستعمار، وبالنتائج المدمرة لخطاب الكراهية — وهو التحدي الذي غذّى أعمال القتل آنذاك، وأصبح منذ ذلك الحين مصدر قلق عالمي متزايد.
وكان السفير كريم شريف واضحًا في تحميل المجتمع الدولي المسئولية، حيث قال: “إن المجتمع الدولي، الذي أخفق في نصرة الشعب الرواندي قبل اثنين وثلاثين عامًا، لا يملك ترف أن يُتَّهم بالتقاعس في مواجهة نزاعات وشيكة مماثلة.”
كما أشاد السفير كريم شريف بعزيمة الناجين الاستثنائية، الذين اختاروا، رغم خسارتهم الفادحة، إعادة بناء بلدهم ومجتمعاتهم وحياتهم. واعتبر التحول الذي شهدته رواندا بعد الإبادة الجماعية شاهدًا على ما يمكن تحقيقه عندما تختار أمة طريق المصالحة والسلام والتنمية — مشيرًا إلى التقدم الملحوظ في مجالات الصحة والتعليم والنمو الاقتصادي والسياسات البيئية، فضلًا عن المشاركة الفاعلة للمرأة في العمليات السياسية وبناء السلام.
وقد تعمّقت هذه المضامين من خلال كلمة سفير رواندا لدى مصر، السفير المفوض العام/ دان مونيـوزا، الذي ألقى الكلمة الرئيسية للفعالية. وفي كلمته، تناول السفير مونيـوزا السياق التاريخي الكامل للإبادة الجماعية ضد التوتسي في رواندا، رافضًا الرواية التي تصفها بأنها انفجار مفاجئ لصراع قبلي.
وقال: “لم تكن هذه موجة عنف عفوية كما يُصوّرها من يسعون إلى التقليل من حجم الإبادة الجماعية ضد التوتسي، بل كانت حصيلة عقود من الكراهية والانقسام والتمييز والتجريد من الإنسانية.”
وتتبّع جذور الإبادة الجماعية إلى أسسها الأيديولوجية، قائلًا: “لا تبدأ الإبادة الجماعية يالأسلحة والرصاص، بل تبدأ بالكلمات التمييزية. تبدأ بخطاب كراهية موجّه ضد جماعة عرقية، وبسرديات تصوّر مجتمعًا بأكمله على أنه تهديد، أو كائنات ضارة، أو عدو من الداخل. وكل واحدة من هذه السرديات، إذا تُركت دون مواجهة، تُعد خطوة نحو الإبادة. وهذا هو المسار الدقيق الذي سبق الإبادة الجماعية ضد التوتسي في رواندا — وهو ما يجب ألا ينساه العالم أبدًا.”
كما أشاد السفير مونيـوزا بالناجين وبأكثر من مليون ضحية، مؤكدًا أن إحياء الذكرى ليس مجرد إجراء رمزي، بل واجب أخلاقي. وقال: “إن إحياء الذكرى ليس طقسًا فحسب، بل هو التزام أخلاقي. إنه طريقتنا في أن نقول عبر الزمن والمسافات: نحن نتذكركم. لن تُنسوا. ولم تذهب تضحياتكم سدى.”
مكافحة إنكار الإبادة الجماعية ومحاسبة مرتكبيها
وحذّر السفير مونيـوزا من أنه رغم التحول الكبير الذي شهدته رواندا، فإن الأيديولوجية التي غذّت الإبادة الجماعية لم يتم القضاء عليها بالكامل. وأوضح أن إنكار الإبادة الجماعية والتقليل من شأنها لا يزالان ينتشران في المنطقة وخارجها، ويتعززان بشكل متزايد عبر المنصات الرقمية والتقنيات الناشئة، بما في ذلك الذكاء الاصطناعي.
كما أعرب عن تقديره لمصر على تعاونها طويل الأمد مع رواندا في مجالات الدفاع والأمن والتعليم والزراعة والتجارة والصحة، قائلًا: “نُقدّر الدور القيّم الذي تقوم به مصر، والتي لطالما تعاونت مع رواندا وأسهمت في مسيرتنا التنموية في مختلف القطاعات.”
واختتم السفير مونيـوزا كلمته بالدعوة إلى رفض الكراهية بكل أشكالها، قائلًا: “إن من يبررون الإنكار أو يتسامحون مع خطاب الكراهية إنما يخونون الإنسانية. فلنُحيِ ذكرى أكثر من مليون إنسان فقدوا حياتهم، برفض الكراهية بجميع صورها، أينما وُجدت.”
جديرا بالذكر أنه في 26 يناير 2018، اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارًا يقضي بتخصيص يوم 7 أبريل من كل عام يومًا دوليًا للتفكر في الإبادة الجماعية المرتكبة ضد التوتسي في رواندا عام 1994. وفي رواندا، تمتد فترة إحياء الذكرى لمدة 100 يوم، تمثل مدة الإبادة الجماعية نفسها.



